
ميكانيكا الكم في الإدارة المالية، هل شركتك حية أم ميتة؟
في غرف مجالس الإدارات يعشق المديرون الفيزياء الكلاسيكية، حيث إنهم يحبون عالم إسحاق نيوتن فكل شيء حتمي ويمكن التنبؤ به، فإذا عرفنا سرعة السيارة وقوة المحرك، يمكننا باستخدام معادلة بسيطة (1+1=2) اذن نعرف أين ستكون بعد ساعة
بهذا المنطق الخطي الساذج، تجلس الإدارة التنفيذية في نهاية كل عام لتضع الموازنة التقديرية، يفتحون جداول الإكسيل، يفترضون نمواً بنسبة 10%، ويحسبون الأرباح المتوقعة، ثم يرتشفون الشاي في طمأنينة
لكن بصفتي متخصصاً في هيكلة الشركات وإدارة الأزمات، يجب أن أصارحك بحقيقة مؤلمة:
الأسواق الحالية لا تخضع لفيزياء نيوتن، بل تخضع لجنون ميكانيكا الكم، نعم مثلما قولت لك يا صديقي
ماذا لو قلت لك إن شركتك التي تضع لها خططاً توسعية للعام القادم، لا تملك يقيناً حقيقياً بوجودها غداً؟
ماذا لو كانت شركتك الآن وأنت تقرأ هذا المقال في حالة تراكب كم أي أنها حية وميتة في نفس الوقت؟
دعونا نترك الكلام والمناظرات الأكاديمية ونستدعي حالة دراسية واقعية قمت بتحليلها لشركة سأسميها شركة الكوميديا السوداء، لنرى كيف ينهار التخطيط التقليدي أمام قسوة الواقع الكمي
أولاً: مفارقة قطة شرودنغر المالية (وهم البقاء)
في عام 1935 طرح عالم الفيزياء “إرفين شرودنغر” تجربة ذهنية مرعبة لتوضيح غرابة ميكانيكا الكم، تخيل أننا وضعنا قطة داخل صندوق فولاذي مغلق، ومعها زجاجة غاز سام متصلة بعداد إشعاعي، هناك احتمال 50% أن يتحلل ذرة مشعة فينكسر الزجاج وتموت القطة، واحتمال 50% ألا يحدث شيء وتبقى حية
في ميكانيكا الكم طالما الصندوق مغلق ولم ننظر بداخله، فالقطة ليست حية، وليست ميتة، إنها في حالة تراكب كمي، فحالة القطة تتحدد فقط وتنهار دالتها الموجية في اللحظة التي نفتح فيها الصندوق ونراقبها
الآن دعونا نسقط هذا على شركة الكوميديا السوداء:
في الظاهر (خارج الصندوق) أبواب الشركة مفتوحة، الماكينات تدور، الموظفون يوقعون حضور وانصراف، والمدير العام يطلب من الإدارة المالية موازنة توسعية ويسأل عن أرباح العام القادم (الشركة تبدو حية)، ولكن عندما استخدمت مشرط الجراح لفتح صندوق هذه الشركة تحليلياً وجدت الآتي:
- وهم السيولة: نسبة التداول تبلغ 7.8 مرة، هنا المحاسب التقليدي سيصفق ويقول الشركة قادرة على سداد ديونها 7 مرات، مهلا انتظر ياصديقي بالنظر لـنسبة السيولة النقدية وجدناها (0.06) المعنى هنا ان أموال الشركة كلها محبوسة في السوق عند العملاء، بينما الخزنة بها 11 ألف جنيه فقط، في حين أن الديون والمستحقات العاجلة تبلغ 440 ألف جنيه
- النزيف الداخلي : هامش صافي الربح (-21%) الشركة تخسر من لحمها الحي، كلما باعت قطعة أكثر نزفت أكثر
- الفراغ الزمني : دورة تحويل النقد (CCC) تبلغ 101 يوم، الشركة تدفع للموردين فوراً (كاش)، وتنتظر أكثر من 3 أشهر لتحصل أموالها
هذه الشركة هي تجسيد حرفي لـقطة شرودنغر، هي تعيش في وهم التراكب الكمي، حيث المدير يرفض فتح الصندوق (يرفض قراءة تقرير التدفقات النقدية الحقيقي ومواجهة الكارثة) ليحافظ على وهم أن الشركة حية
لكن الفيزياء الإدارية لا ترحم بمجرد أن يطالب الموردون بديونهم غداً صباحاً (لحظة المراقبة)، ستنهار الدالة الموجية الاحتمالية، وستظهر الحقيقة الساطعة( الشركة ميتة إكلينيكياً ومفلسة نقدياً )
ثانياً : مبدأ اللايقين لهايزنبرغ، لماذا الموازنة هنا دجل إداري؟
من أهم قوانين الفيزياء الكمية مبدأ اللايقين حيث ينص هذا المبدأ على أنه لا يمكنك أبداً معرفة موقع الإلكترون وسرعته بدقة في نفس الوقت، كلما قست موقعه بدقة أكبر، فقدت قدرتك على التنبؤ باتجاهه وسرعته
ما علاقة هذا بالإدارة الاستراتيجية؟
عندما يطلب منك كمدير مالي أو مستشار أن تضع موازنة أرباح وخسائر لشركة تعاني من إعسار مالي حاد وتأكل في حقوق الملكية (صافي رفع مالي سالب -1.7)، فأنت تطلب لتمارس الدجل وليس الإدارة
ففي ظل غياب السيولة المطلق لا يوجد يقين هنا نقول :
- كيف تخطط لمبيعات ربع سنوية وأنت لا تملك يقين بدفع رواتب الأسبوع القادم؟
- كيف تقيس سرعة نمو الشركة بينما موقعها المالي الحالي منهار؟
في حالات الإنتروبيا المالية القصوى، إعداد موازنة تقليدية خطية هو انفصال تام عن الواقع، أنت هنا لا تخطط للرفاهية والنمو، أنت بحاجة ماسة لإدارة البقاء
ثالثاً : الحل الاستشاري اختلاق النفق الكمي
كيف ننقذ قطة شرودنغر قبل أن تموت فعلياً؟
في الفيزياء هناك ظاهرة مذهلة تسمى النفق الكمي أحياناً يواجه الجسيم حاجز طاقة هائلاً وهو لا يملك الطاقة الكافية لعبوره (مثل الكرة التي لا تستطيع عبور جدار صلب)
لكن في ميكانيكا الكم هناك احتمال ضئيل أن يخترق الجسيم هذا الجدار ويظهر في الجهة الأخرى فجأة دون أن يكسره
في عالم الشركات المتعثرة، عندما تكون الديون 440 ألف والنقدية 11 ألف ودورة النقد 101 يوم، الشركة تقف أمام جدار إفلاس حتمي، ولكي نحدث اختراقاً كميا ونعبر هذا الجدار، يجب اتخاذ قرارات جراحية عنيفة، لا تخضع لقوانين الإدارة الرخوة:
1 – التشابك الكمي المالي
في ميكانيكا الكم ظاهرة التشابك تعني ربط جسيمين ببعضهما بحيث يؤثر أحدهما في الآخر لحظياً مهما ابتعدت المسافة بينهما
الإسقاط الإداري: بدلاً من النموذج الخطي القاتل (تشتري من المورد كاش ثم تصنع ثم تبيع للعميل آجل)، سنقوم بخلق تشابك مالي بين المورد والعميل مباشرة، وتخرج الشركة من المنتصف كممول
- التطبيق : تفعيل العقود الثلاثيةأو التمويل المباشر من العميل بما أن العميل يثق في جودة منتجك، اجعله يدفع مقدما أو يصدر أمر توريد (PO) يصدر مباشرة لصالح مورد المادة الخام او تحصل على القيمة من خلال التحويل البنكي وتقوم بالتحول مباشرة الى المورد، وذلك مقايل ان يحصل العميل على مميزات معينه تختلف عن العملاء الاخرين ( خصم كمية – خصم نقدي – نقاط على الطلبات يحصل عليها في نهاية العام في شكل هدايا نقدية او مادية ) حيث يجب ان يتم رفع أسعار البيع الاجل على فترات للعملاء الذين يتبعون هذا النهج، ويجب ان يتم أيضا ذلك للعميل عندما يتم الطلب منه ان يدفع مقدما لتوضيح المميزات، هنا المورد يضمن حقه من العميل النهائي، وأنت تكتفي بتحصيل تكلفة التصنيع وهامش الربح المناسب لك، هنا اختفت الديون من ميزانيتك، وتلاشت مخاطر الـ 440 ألف جنيه لأنك توقفت عن لعب دور البنك المجاني لعملائك، قلة فترة التحصيل، وانعكس ذلك على نسبة السيولة، وزاد معدل دوران المخزون
2 – عكس اتجاه السهم الزمني وإعادة هندسة دورة النقد:
الشركات التقليدية تسير مع سهم الزمن (تدفع اليوم للمورد، تصنع غداً، تحصل بعد 100 يوم)
هذه الفجوة الزمنية هي الثقب الأسود الذي ابتلع السيولة
الإسقاط الإداري : لإنقاذ الشركة يجب أن نخلق دورة تحويل نقد سالبة
- التطبيق: تغيير نموذج العمل بالكامل، أنت تخسر 21% لأن تكلفة الإنتاج والتشغيل تسبق التحصيل
الحل هو التحول إلى نموذج التصنيع عند الطلبالممول أو تقديم اشتراكات إنتاجية، حيث يدفع العميل 50% مقدماً لحجز خط الإنتاج وليس لشراء المنتج النهائي ويكون له مميزات وافضليات مثل ( عدم وضعه في قائمة الانتظار في التصنيع – سرعة في توصيل الطلبية – خدمات لوجستية مميزة – بالإضافة الى خصومات نقدية وكمية ومادية مختلفة ) من خلال هذه الدفعة المقدمة يتم الشراء بها الخامات، بهذا التدخل والتفكير المختلف، كسرنا حاجز الـ 101 يوم، وأصبح زمن العميل يسبق زمن المورد، مما يولد سيولة ذاتية من العدم
3 – تأثير المراقب وتغيير DNAالبيعي:
في فيزياء الكم تأثير المراقب ينص على أن مجرد (مراقبة وقياس) ظاهرة معينة، يؤدي إلى تغيير سلوكها بالكامل
الإسقاط الإداري : لماذا وصلت نسبة التداول لديك إلى 7.8 (أموال وهمية في السوق)؟
لأنك كنت تراقب وتقيس المؤشر الخطأ، الإدارة كانت تقيس أداء فريق المبيعات بناءً على حجم الفواتير المصدرة وعدد الطلبات اليومية، فقام المندوبون ومسؤولي المبيعات بإغراق السوق بالبضاعة الآجلة لتحقيق التارجت، فامتلأت الدفاتر بالأرباح الوهمية وفرغت الخزنة
- التطبيق : تغيير أداة المراقبة فوراً إلغاء مستهدف المبيعات واستبداله ( بـمستهدف التحصيل النقدي لا تصرف أي عمولة بيعية لمندوب – دروة النقد ) بمعنى اختيار المؤشر الذي يحقق افضل عائد وافضل اداء، ولا يسجل الإيراد كنجاح إلا عند دخول الكاش في الحساب البنكي
بمجرد تغيير وحدة المراقبة سيتغير سلوك مندوبي المبيعات بالكامل وسيتحولون من موزعي بضاعة مجانية إلى محصلي ديون شرسين، وستنهار الدالة الموجية الوهمية لتتحول إلى نقد حقيقي
الخلاصة
عزيزي المدير التنفيذي، الفيزياء لا تكترث لأمنياتك، والسوق لا يرحم من يتجاهل أرقامه، إذا كانت مؤشرات شركتك تعكس فجوة هائلة بين الأرباح الدفترية والسيولة النقدية، فتوقف فوراً عن خداع نفسك بموازنات الإكسيل الملونة
لا تبق الصندوق مغلقاً هرباً من الحقيقة، افتح الصندوق، واجه “قطتك الميتة”، وتدخل جراحياً لإعادة هيكلة شركتك قبل أن يصبح الإفلاس واقعاً حتمياً لا رجعة فيه
مصادر موثوقة : الربح والسيولة النقدية: أيهما يضمن بقاء شركتك ونموها؟ – أزمة السيولة المالية للشركات وكيفية علاجها؟
دكتور : مصطفى عبده
مستشار مالي واداري – تطوير أعمال
Afw Arabian – العربية للاستشارات والتدريب
فلسفة الإدارة المالية | الفيزياء الادارية| الاستمرارية
الاسئلة الشائعة
الأرباح الدفترية هي الربح المسجل في القوائم المالية بناءً على المبيعات والفواتير المحققة، حتى لو لم تُحصَّل نقدًا بعد. أما السيولة النقدية فهي “الكاش الحقيقي” المتاح في الخزينة أو البنك والقادر على سداد الالتزامات الفعلية. قد تظهر القوائم أرباحًا مرتفعة بينما الشركة تعاني من نقص سيولة إذا كانت المبيعات محبوسة لدى العملاء.
يحدث هذا عند الاعتماد المفرط على البيع الآجل؛ حيث تبدو القوائم “جميلة” دفترياً، لكن الواقع المالي صعب لأن الأموال محبوسة في ذمم العملاء بينما يطالب الموردون والموظفون بمستحقاتهم نقداً وفوراً. في هذه الحالة، تكون الشركة رابحة على الورق لكنها مفلسة عملياً.
يمكن اكتشاف ذلك عبر عدة مؤشرات:
- انخفاض نسبة السيولة النقدية مقارنة بالالتزامات قصيرة الأجل.
- ارتفاع مبالغ الذمم المدينة (المدينون) بشكل مبالغ فيه.
- وجود هامش ربح إيجابي مع ضغط شديد في دفع الرواتب والموردين.
- طول دورة تحويل النقد (CCC)، حيث تدفع للموردين بسرعة وتنتظر التحصيل طويلاً.
قائمة الدخل تخبرك بـ “الربح الورقي”، والميزانية توضح “ما تمتلكه وما عليك”، لكن قائمة التدفقات النقدية تخبرك بالحقيقة الخام: كم من المال دخل وخرج فعلياً ومتى؟ بدون تحليل التدفقات، قد تظن أنك بخير اعتماداً على هامش الربح فقط بينما الواقع أن السيولة لا تكفي للاستمرار.
- التوسع في البيع الآجل دون ضوابط ائتمانية واضحة.
- سوء إدارة دورة النقد (دفع سريع للموردين وتحصيل بطيء من العملاء).
- تركيز الإدارة على “حجم البيع” بدلاً من “جودة التحصيل”.
- عدم ربط الموازنات التقديرية بواقع التدفقات النقدية الفعلية.
العلاج يتطلب قرارات حاسمة:
- إعادة تصميم دورة النقد (تقليل أجل التحصيل والتفاوض مع الموردين).
- ربط حوافز فريق المبيعات بـ “التحصيل النقدي” وليس بمجرد إصدار الفاتورة.
- استخدام نماذج الدفع المقدم أو التصنيع عند الطلب الممول مسبقاً.
- إيقاف التوسع غير الممول ذاتياً والتركيز على إدارة البقاء أولاً.
