أسباب تآكل أرباح الشركات والهدر المالي في العمليات
لماذا تتبخر أرباح الشركات الناجحة رغم قوة المبيعات؟ الإنتروبيا والهدر المالي هما الوجه الخفي للأزمة.

أسباب تآكل أرباح الشركات : هل حدث يوما أن دخلت شركة تبدو ظاهريا في قمة النجاح؟

وهنا سنتحدث عن تطبيقات الفيزياء الإدارية : قانون الإنتروبيا لماذا تتبخر أرباح الشركات الناجحة؟

حيث تجد ان المبيعات مرتفعة، الماكينات تدور، المخازن ممتلئة، والحركة لا تهدأ، ولكن عندما تأتي لحظة الحقيقة، وتنظر إلى صافي الربح أو رصيد البنك، تصدم بأنه يقترب من الصفر؟

أصحاب هذه الشركات يسألونني دائما نفس السؤال المؤلم:  يا دكتور، احنا بنبيع بـ 50 مليون، الفلوس راحت فين؟ هل هي سرقة؟ أم سحر؟

إجابتي دائما تكون صادمة : لا هذا ليس سحرا، هذه فيزياء شركتكم وقعت ضحية للقانون الثاني للديناميكا الحرارية

في هذا المقال، نخرج من عباءة المحاسبة التقليدية، لنشرح واحدا من أخطر الأمراض التي تصيب الشركات، وهو مرض الإنتروبيا المالية

أولا : الحالة العملية (الأعراض)

الشركة (س) : مصنع متوسط الحجم للأثاث المكتبي

  • المبيعات : ممتازة وتنمو سنويا ، طاقة عالية
  • المشكلة:  هامش الربح يتآكل باستمرار هناك نقص دائم في السيولة المدير المالي يشتكي من مصاريف نثرية ضخمة لا يعرف أولها من آخرها المهندسون يطلبون خامات إضافية باستمرار بحجة الهالك الطبيعي
  • تشخيص الإدارة التقليدية : نحتاج لزيادة المبيعات أكثر لتعويض المصاريف، وهذا حل كارثي، كمن يسكب المزيد من الماء في دلو مثقوب

ثانيا : التشخيص الفيزيائي ، ما هي الإنتروبيا ؟

لفهم ما يحدث في الشركة (س)، يجب أن نفتح كتاب الفيزياء، وتحديدا القانون الثاني للديناميكا الحرارية

1 – المفهوم العلمي :

القانون ينص ببساطة على أن أي نظام مغلق، تميل (الإنتروبيا) للزيادة التلقائية بمرور الوقت

  • ما هي الإنتروبيا؟ هي مقياس الفوضى أو العشوائية في النظام
  • التفسير الطبيعي : الطبيعة تكره النظام وتميل للفوضى
    • كوب القهوة الساخن (نظام منظم طاقيا) يبرد تلقائيا وتتشتت حرارته في الغرفة (فوضى)
    • الغرفة المرتبة إذا تركتها دون تدخل، سيعلوها الغبار وتعمها الفوضى تلقائيا لن ترتب نفسها بنفسها أبدا
    • لكي تعيد النظام لا بد من بذل طاقة خارجية وهي مجهود التنظيف

2 – الربط الإداري (نظرية التماثل) :

الشركة هي نظام والمال هو طاقة إذا تركت الشركة (النظام) دون طاقة ضبط خارجية (إدارة وحوكمة)، فإنها ستميل تلقائيا وحتميا نحو الإنتروبيا القصوى

  • الموظف يميل تلقائيا للكسل (أقل بذل للطاقة)
  • المواد الخام تميل للهدر والضياع
  • المصاريف تميل للتضخم
  • الأصول تميل للإهمال والأعطال

ما حدث في الشركة (س) هو أن الإدارة ركزت على ضخ الطاقة (المبيعات)، وأهملت عزل النظام فحدث ما نسميه فيزياء بالفقد الحراري الأرباح لم تسرق، بل تبددت في شكل فوضى (هالك، وقت ضائع، مصاريف بلا مستندات، قرارات عشوائية) هذه الأموال تحولت من طاقة مفيدة (ربح) إلى طاقة مشتتة لا يمكن استعادتها

ثالثا : الروشتة العلاجية (هندسة النظام المغلق)

بناء على هذا التشخيص الحل لا يكون في زيادة البيع، بل في محاربة الفوضى كيف نطبق الفيزياء هنا؟

1 – تحويل النظام من مفتوح إلى مغلق (الدورة المستندية كقوة عزل)

في الفيزياء الأنظمة المفتوحة تفقد الطاقة لصالح البيئة المحيطة

  • التطبيق : يجب بناء دورة مستندية مغلقة
    • لا يخرج مسمار من المخزن إلا بـ (إذن صرف) مرتبط بـ (أمر شغل)
    • لا يخرج ريال من الخزنة إلا بـ (موافقة مسبقة) ومستند (فاتورة ضريبية)
    • الدورة المستندية هنا ليست روتينا هي الجدار العازل الذي يمنع تسرب الطاقة المالية للخارج هي القوة التي تجبر النظام على البقاء منظما رغما عن قانون الطبيعة

2 – تفعيل عفريت ماكسويل (المراقب المالي)

في تجربة فيزيائية شهيرة تسمى عفريت ماكسويل، افترض العالم وجود كائن ذكي يقف عند باب بين غرفتين، وبالتالي يسمح فقط للجزيئات السريعة (الطاقة العالية) بالمرور ويمنع البطيئة

  • التطبيق :  دور مراقب التكاليف أو المراجع الداخلي هو القيام بدور هذا العفريت
    • يجب أن يفرز كل مصروف هل هذا المصروف سيولد طاقة (إيراد)؟ (اسمحي له بالمرور) هل هو مصروف نثري عبثي؟ (امنع مروره)
    • بدون هذا المراقب الذكي، ستختلط الجزيئات وتعود الفوضى
  • مثال تطبيقي : (عفريت ماكسويل في قسم المشتريات)
  • لنأخذ مشهدا يتكرر يوميا في المصانع :
     تعطلت إحدى الماكينات فجأة، هنا يسود الهلع (حالة إنتروبيا مرتفعة)، ويصرخ مدير الإنتاج قائلا : الماكينة واقفة اشتروا قطعة غيار جديدة حالا بـ 50,000 ريال، مش مهم الفلوس المهم الشغل يمشي!!!!!!!!!!!
  • هنا يظهر الفرق بين النظام المفتوح والنظام المغلق :
  • السيناريو (أ) : بدون عفريت ماكسويل (غياب الرقابة) يتم صرف المبلغ فورا من الخزنة تحت بند مصروفات عاجل، يتم شراء القطعة، وتعود الماكينة للعمل
    ظاهريا نجاح فيزيائيا ، ولكن هناك فقد حراري هائل. لماذا؟
    لأننا ربما لو بحثنا، ستكون النتيجة انه في المخزن الفرعي لوجدنا نفس القطعة مركونة والغبار يعلوها، هنا الـ 50,000 ريال خرجت بلا عائد حقيقي (هدر طاقة) لأن البديل كان موجودا ومجانيا (طاقة كامنة مهملة)
  • السيناريو (ب) بوجود عفريت ماكسويل (المراقب المالي الذكي):
    يقف المراقب عند بوابة الصرف ويقوم بفلترة الطلب  :

يراجع النظام:  هل لدينا رصيد مخزني من هذه القطعة؟، نعم، موجودة في فرع آخر

أو يسأل الصيانة : هل العطل يستدعي استبدال القطعة بالكامل أم يمكن إصلاحها بتكلفة 10%؟ بمجرد هذا التدخل، يمنع خروج الـ 50,000 ريال (يحتفظ بالطاقة داخل النظام) ويحل المشكلة بالموارد المتاحة
هذا هو بالضبط دور عفريت ماكسويل: تمرير القرارات التي تضيف قيمة فقط، ومنع القرارات الناتجة عن الفوضى والعشوائية

3 – قياس كفاءة تحول الطاقة

بدلا من النظر لرقم إجمالي المصروفات، سنقوم بتحليل الكفاءة

  • المعادلة:  كمية الخامات المستخدمة / كمية المنتج النهائي
  • بالتالي إذا كانت النسبة المعيارية 1:1، والواقع الفعلي 1:1.5، إذن هناك 0.5 وحدة طاقة ضاعت في الإنتروبيا (هالك غير مبرر)
  • هنا نتدخل جراحيا لوقف هذا التسريب
  • مثال تطبيقي : (لغز الألواح الخشبية الضائعة)
    لنفترض أننا في مصنع الأثاث ونقوم بتصنيع مكتب إداري
  • المعيار الهندسي : مهندسو التصميم حددوا أن المكتب الواحد يحتاج إلى 1 لوح خشب بالضبط لإنتاجه، هنا نجد ان هذا هو قانون حفظ الطاقة المثالي ( المدخلات = المخرجات ) بنسبة 1:1
  • الواقع الفعلي : في نهاية الشهر، وجدنا أننا أنتجنا100  مكتب، لكننا صرفنا من المخزن150  لوح خشب
  • الحساب الفيزيائي : النسبة هنا أصبحت 1 : 1.5
    • المدخلات (1.5 وحدة طاقة)
    • المخرجات ( 1 وحدة عمل)
    • الإنتروبيا ( 0.5  وحدة مفقودة)

أين ذهب الـنصف لوح الزائد في كل مكتب؟ هو لم يتبخر، بل تحول إلى صور من الفوضى :

  1. هالك تقطيع : العامل يقطع الخشب بشكل خاطئ، فيرمي الباقي في القمامة (طاقة مهدرة)
  2. عيوب صناعة : تم تجميع المكتب بشكل خاطئ، فتم فكه وكسر أجزاء منه، واضطررنا لاستخدام خشب جديد (إعادة بذل طاقة لنفس النتيجة)
  3. سرقة أو ضياع : ألواح خرجت ولم تدخل الماكينة أصلا

النتيجة المالية : أنت دفعت ثمن طاقة (خشب) لإنتاج 150 مكتبا، لكنك حصلت على حركة (مبيعات)
 لـ 100 مكتب فقط، الـ 50 مكتبا المفقودة هي ضريبة الإنتروبيا التي دفعتها بسبب غياب النظام، وهي كفيلة بتحويل الشركة من الربح للخسارة، حتى لو كانت تبيع بالملايين

رابعا : الخلاصة الفلسفية

الإدارة المالية، في جوهرها، هي معركة مستمرة ضد الطبيعة، الطبيعة تريد لشركتك أن تكون فوضوية، مفككة، ومبددة للطاقة ودورك كمدير مالي أو رائد أعمال هو ممارسة القوة المعاكسة أنت تضخ النظام لتقهر الفوضى

الشركات لا تموت بسبب قلة المبيعات (نقص الغذاء)، بل تموت غالبا بسبب ارتفاع الإنتروبيا (فشل الأعضاء الداخليين في العمل بكفاءة) لذا قبل أن تبحث عن عميل جديد، أغلق ثقوب جيبك أولا

تنويه:

هذا المقال هو التطبيق العملي الأول ضمن سلسلة الفيزياء الإدارية في المقالات القادمة سنغوص ونبحر في أعماق نظريات أخرى، وسنشرح كيف نستخدم ميكانيكا الكم للنجاة من تقلبات السوق وتغيير طريقة التخطيط الاستراتيجي انتظروا التطبيق القادم

مصادر ذات صلة :

تعريف عام لقانون الإنتروبيا / الديناميكا الحرارية (من مصدر علمي)

مقال عن الهدر المالي وتقليل التكاليف داخل الشركات (إداري تطبيقي)

دكتور : مصطفى عبده
مستشار مالي واداري – تطوير أعمال

Afw Arabian – العربية للاستشارات والتدريب
فلسفة الإدارة المالية | الفيزياء الادارية| الاستمرارية

الاسئلة الشائعة

لماذا تتبخر أرباح الشركات الناجحة رغم ارتفاع المبيعات؟ +

لأن المبيعات وحدها لا تكفي؛ فمع وجود هدر في الخامات، ومصاريف نثرية غير منضبطة، وقرارات عشوائية في الشراء والصرف، تتحول الأرباح المتوقعة إلى “إنتروبيا مالية” تتبدد في شكل فوضى وتكاليف غير ضرورية. النتيجة أن رقم البيع يبدو قوياً، بينما صافي الربح يقترب من الصفر.

ما هو مفهوم الإنتروبيا المالية داخل الشركات؟ +

الإنتروبيا المالية هي مستوى الفوضى والهدر داخل النظام المالي والتشغيلي للشركة، مثل الهالك غير المبرر، وضياع الوقت، وسوء استخدام الموارد، والمصروفات غير الموثقة. كلما زادت هذه الفوضى، تآكلت الأرباح وتحول جزء أكبر من الطاقة المالية إلى فاقد غير مسترد.

ما أبرز مظاهر الهدر المالي المرتبطة بالإنتروبيا في المصانع والشركات؟ +

من أهم المظاهر: هالك التقطيع في الخامات، إعادة العمل بسبب عيوب الصناعة، شراء خامات أو قطع غيار موجودة بالفعل في المخزن، مصاريف نثرية غير مبررة، وإهمال الأصول حتى تتعطل وتحتاج لإصلاحات كبيرة. كل هذه الصور تمثل طاقة مالية مدفوعة دون عائد مكافئ.

كيف تساعد الدورة المستندية على تقليل الإنتروبيا المالية؟ +

الدورة المستندية تعمل كـ “جدار عازل” يمنع تسرب المال، فهي تضمن عدم خروج أي خامة أو ريال من المخزن أو الخزنة إلا بناءً على إذن صرف، وأمر شغل، ومستند معتمد. بهذه الطريقة تُجبر الشركة على الانضباط، وتتحول الفوضى إلى نظام، فينخفض الهدر وتتحسن الكفاءة.

ما دور المراقب المالي أو مراقب التكاليف في الحد من تآكل الأرباح؟ +

المراقب المالي يفلتر القرارات والمصروفات، يسمح فقط بالمصروفات التي تولد قيمة أو إيراداً، ويمنع المصروفات العبثية أو المتكررة بلا داع. من خلال هذا الدور الرقابي الذكي، تُغلق ثغرات الهدر، وتُحفظ الطاقة المالية داخل النظام بدلاً من ضياعها.

كيف يمكن قياس الهدر غير المرئي في الخامات وهامش الربح؟ +

بمقارنة المدخلات بالمخرجات؛ مثل (كمية الخامات المستخدمة / كمية المنتج النهائي). إذا كانت النسبة الفعلية أعلى من النسبة المعيارية، فهذا الفرق يمثل “إنتروبيا” أو هدراً غير مرئي يكشف أين تضيع الطاقة: في التقطيع، عيوب الصناعة، أو الفقد والضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Shopping Cart
/* ايقونة الواتس */
💬
راسلنا الآن متاحون 24/7
Scroll to Top